الثلاثاء، 28 تموز
10:57 PM
27°C

حين تتغيّر الأولويات: هل تعيد واشنطن صياغة علاقتها مع إسرائيل؟

حين تتغيّر الأولويات: هل تعيد واشنطن صياغة علاقتها مع إسرائيل؟
جوي ب. حداد

جوي ب. حداد

لم تعد السياسة الخارجية الأميركية تُدار بالعقلية نفسها التي حكمت مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فالعالم يتغير بسرعة، وموازين القوى لم تعد تقتصر على الشرق الأوسط، بل باتت تمتد إلى المحيطين الهندي والهادئ، حيث تتصدّر الصين أولويات واشنطن، فيما تستمرّ المواجهة مع روسيا على أكثر من جبهة. وفي خضم هذا التحول، تبدو الولايات المتحدة منشغلة بإعادة ترتيب أولوياتها، وهو ما يفرض مراجعة علاقاتها مع حلفائها التقليديين، وفي مقدمتهم إسرائيل.

هذا لا يعني أن التحالف الأميركي - الإسرائيلي يقترب من نهايته، فالعلاقة بين البلدين لا تزال تستند إلى تعاون عسكري واستخباراتي وسياسي عميق، يصعب تفكيكه بقرار سياسي أو بتبدل إدارة في البيت الأبيض. لكن الثابت أيضاً أن طريقة إدارة هذا التحالف لم تعد كما كانت قبل سنوات، وأن المصالح الأميركية باتت تُقاس بمعايير أكثر براغماتية، بعيداً عن المسلمات التي حكمت العقود الماضية.

فالولايات المتحدة لم تعد تنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مركز ثقل سياستها الخارجية، كما كان الحال بعد أحداث الحادي عشر من أيلول أو خلال سنوات الحروب في العراق وأفغانستان. اليوم، تتجه الأنظار الأميركية نحو احتواء النفوذ الصيني، ومواصلة الضغط على روسيا، وتأمين سلاسل الإمداد والطاقة والتكنولوجيا، وهي ملفات تستنزف جانباً كبيراً من الاهتمام السياسي والعسكري.

في هذا المشهد، أصبحت واشنطن أكثر حرصاً على منع اندلاع حروب واسعة في الشرق الأوسط قد تستدعي تدخلاً أميركياً مباشراً، أو تفرض عليها أعباءً سياسية وعسكرية واقتصادية جديدة. ومن هنا، يبدو أن الأولوية الأميركية لم تعد تحقيق انتصارات عسكرية لحلفائها، بقدر ما أصبحت منع انفجار المنطقة بما يهدد المصالح الأميركية الأوسع.

في المقابل، تعيش إسرائيل واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ سنوات. فالحرب المستمرة في غزة، والتوتر مع لبنان، والمواجهة المفتوحة مع إيران، وضعت الحكومة الإسرائيلية أمام تحديات غير مسبوقة، وأثارت نقاشاً داخل الأوساط الغربية حول مستقبل الاستقرار في المنطقة.

ورغم استمرار الدعم الأميركي لإسرائيل، فإن الخطاب السياسي في واشنطن لم يعد يخلو من الدعوات إلى ضبط التصعيد، والبحث عن حلول سياسية، وتجنب توسيع دائرة المواجهة. وهذا التحول لا يعكس تراجعاً في أهمية إسرائيل بالنسبة إلى الولايات المتحدة، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة إدارة الأزمات الإقليمية.

كما أن المشهد الداخلي الأميركي شهد تغيرات لا يمكن تجاهلها. فالقضية الإسرائيلية لم تعد تحظى بالإجماع السياسي الذي عُرفت به لعقود، وأصبحت موضع نقاش داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي، كما ارتفعت أصوات تطالب بربط الدعم الأميركي بمسار الأحداث على الأرض، وبمراعاة الاعتبارات الإنسانية والسياسية في المنطقة.

ويزداد هذا النقاش مع صعود جيل جديد من الناخبين الأميركيين، الذين ينظرون إلى السياسة الخارجية من زاوية مختلفة عن الأجيال السابقة، ويطالبون بأن تنسجم التحالفات الأميركية مع المبادئ التي تعلنها واشنطن في ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان والاستقرار الدولي.

في المقابل، تدرك إسرائيل أن مكانتها داخل الاستراتيجية الأميركية لا تزال قوية، لكنها لم تعد بمنأى عن المراجعة. فالإدارات الأميركية المتعاقبة باتت أكثر ميلاً إلى تقييم علاقاتها الخارجية وفق معيار المصلحة المباشرة، وليس فقط وفق الاعتبارات التاريخية أو السياسية.

ولا يقتصر هذا التحول على العلاقة مع إسرائيل وحدها، بل يشمل مجمل سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، حيث تسعى واشنطن إلى توزيع أدوار الحلفاء، وتعزيز الشراكات الإقليمية، والحد من الانخراط العسكري المباشر، بما ينسجم مع أولوياتها العالمية الجديدة.

من هنا، فإن الحديث عن تراجع العلاقة الأميركية - الإسرائيلية قد يكون مبالغاً فيه، لكن الحديث عن تغير طبيعتها يبدو أقرب إلى الواقع. فالتحالف باقٍ، إلا أنه يدخل مرحلة أكثر تعقيداً، تقوم على إدارة المصالح المتبادلة، لا على الافتراض بأن الدعم الأميركي سيبقى على الوتيرة نفسها مهما تبدلت الظروف.

لقد أثبتت التجارب أن العلاقات الدولية لا تُبنى على العواطف، بل على المصالح. وعندما تتغير أولويات الدول الكبرى، فإنها تعيد النظر في أساليب إدارة تحالفاتها، حتى وإن لم تتخلَّ عنها.

واليوم، تبدو واشنطن أمام معادلة دقيقة: فهي لا تريد خسارة إسرائيل باعتبارها شريكاً استراتيجياً مهماً، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن تتحول أزمات الشرق الأوسط إلى عامل يستنزف جهودها في مرحلة تزداد فيها المنافسة الدولية تعقيداً.

ويبقى السؤال الأهم: هل تنجح الولايات المتحدة في الحفاظ على توازن دقيق بين دعم حلفائها وحماية مصالحها العالمية، أم أن التحولات المتسارعة ستفرض صيغة جديدة للعلاقة مع إسرائيل تختلف عما عرفه الشرق الأوسط طوال العقود الماضية؟

الآراء الواردة في هذا المقال تُعبّر عن رأي كاتبها ولا تمثّل بالضرورة رأي الموقع
Press Without Borders

Press Without Borders

بصمة صحافة بلا حدود

من غرفة التحرير إلى القارئ، نكتب الخبر بلغةٍ واضحة ومباشرة وموثوقة. نضع التفاصيل الأساسية أولًا، ونمنح السياق حقّه، من دون مبالغة أو ضجيج.

انشر الخبر

شارك الخبر

شارك هذا الخبر عبر منصات التواصل الاجتماعي.

طقس الأسبوع

لبنان

27°
صاف

الرطوبة 69% | الحرارة المحسوسة 28° | الرياح 11 كم/س

الثلاثاء 28/07
31°C 26°C

مشمس

الأربعاء 29/07
31°C 26°C

مشمس

الخميس 30/07
32°C 26°C

مشمس

الجمعة 31/07
32°C 26°C

مشمس

السبت 01/08
33°C 27°C

مشمس

الأحد 02/08
34°C 27°C

مشمس

تحديث 22:43 wttr.in
أسعار المحروقات
ل.ل
بنزين خال من الرصاص 98 أوكتان 2,420,000 ل.ل
بنزين خال من الرصاص 95 أوكتان 2,402,000 ل.ل
ديزل أويل للمركبات الآلية 2,185,000 ل.ل
غاز سائل 1,157,000 ل.ل
تحديث 28 / 07 / 2026 المصدر
الذهب والمعادن

أسعار عالمية فورية

$
XAU / USD

الذهب

أونصة

$4,024.00 -1.30%
XAG / USD

الفضة

أونصة

$57.425 -2.19%
XPT / USD

البلاتين

أونصة

$1,613.80 -1.13%
XPD / USD

البلاديوم

أونصة

$1,267.00 -2.30%
السوق

عملات ومؤشرات

USD / LBP

الدولار / الليرة

89,500 ل.ل +0.00%
EUR / USD

اليورو / دولار

1.140 +0.18%
WTI

النفط الخام

برميل

$79.010 -4.36%
BTC / USD

بيتكوين

$63,657.98 -0.08%